أم ال… دنيا!!

أم ال... دنيا!!

أم ال… !!

عندما وطئت قدماي أرض العاصمة البريطانية لأول مرة منذ أكثر من عقدين، ضحكت طويلا عندما وجدت أن البريطانيين كتبوا بجوار الأرصفة وعند تقاطعات الطرق: انظر يمينك، وفي أحيان أخرى نادرة: أنظر يسارك.
ولم تتبين لي حكمة وعبقرية المبدع الذي سن هذه السنة الحسنة والتي لم تأت قبلا في كتاب، إلا عندما كادت تدهسني عجلات مختلف أنواع المركبات من العربات الخفيفة إلى باصات الطابقين الحمراء الشهيرة. ولك أن تتخيل مشهد الزائر الحويط وهو يعبر الطريق في حنكة وأناة واحتراس وهو ينظر في الاتجاه المعاكس لما تأتي منه السيارات!!
تعلمت من التجربة عدم التعالي واحترام من يخترع الحلول الفعالة لمشاكل قد تبدو تافهة ولكنها قد تكلف الناس حياتهم. تعودت قبل العبور أن أقرأ التعليمات بهدوء قبل أن أغامر بعبور الطريق في المدينة “المعكوسة”.
لم يفعل البريطانيون هذا لأنفسهم وإنما لزوار مدينتهم الذين اعتادت عيونهم وحركات أرجلهم على اتجاه مخالف للسير واستخدام يمين الطريق عوضا عن يساره. وهو ما جعلني احترمهم أكثر لأنهم فكروا في غيرهم كما يفكرون في أنفسهم.
قضيت في لندرة أعواما طويلة بما يجعلني الآن أعبر الطريق في مهارة لا أحسد عليها دون أن أقرأ علامات العبور وإرشاداتها. وعندما وصلت لندن اليوم أدركت أن القاهرة وزياراتي المتقطعة لها في الشهور الأخيرة علمتني عادات إضافية، ربما تقتضي أن نكتب تعليمات لزوارها لتحديد اتجاه النظر. فأنا لم أعد انظر في اتجاه واحد فقط. ولا في اتجاهين!
أنظر يسارا لأن هذا هو الاتجاه الطبيعي الذي تأتي منه حركة السير، ويمينا لأن هذا هو اتجاه الأغلبية المخالفة. وأماما بسبب العابرين المندفعين للعبور في الوقت الذي قد تفكر فيه أنت في العبور. وأسفل خوفا من النقر والدحديرات والمطبات والبالوعات المفتوحة. وأعلى خوفا من قاذفي المولوتوف، ومياه المسح والغسيل، وخلفي خوفا من المتحرشين…
أم ال… دنيا!!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s