رمبل يرمبل رمبلة: عندما يرمبل القائد والزعيم

رمبل يرمبل رمبلة

رَمْبَلَ (بفتح الراء والباء واللام وتسكين الميم). فعل رباعي أرى وجوب إدخاله إلى اللغة العربية. وهو رباعي لأن الميم أو الباء ليستا زائدتين ولا يصح أن نقول إنه ثلاثي الأصل من ربل أو رمل. فجذر الكلمة لا يستقيم ساعتئذ مع الهدف المراد، ولا مع المقصود من صحيح المعني.
ورمبل أصلها أعجمي وهذا ليس عيبا. فكم من الكلمات الأعجمية دخلت لغتنا الجميلة وما أكثر الكلمات العربية التي أثرت معاجم اللغة في كل بلاد الدنيا.
والكلمة مشتقة من الفعل الإنكليزي Ramble: وهو فعل يضم معان عديده منها:
To speak or write at length and with many digressions.
والمعني هنا لا يشير إلى الحديث باستفاضة. فالإفاضة والاستفاضة في الكلام هي الإغزار من القول في متن الموضوع، والإسهاب في دقائقه وتفاصيله. أما الرمبلة (وهو مصدر الكلمة المقترح) فهو الحديث بإطناب دون تتبع المتن، والإفاضة والإسهاب في حواشي المعنى وسفاسف الأمور بعيدا عن صلب الموضوع ونواته.
والمُرَمْبِل (أي مرتكب فعل الرمبلة) قد يُرَمْبِل (وهو المضارع من الفعل الماضي رمبل) عن عمد. ومثال ذلك الطالب الخائب في المدرسة عندما يسأل سؤالا يعجز عن إجابته فيرمبل ويرمبل ناثرا عباراته في كل اتجاه عل أحدها يصيب المراد من سؤال أستاذه.
وقد يرمبل المرمبل خبثا وتذاكيا. ومثال ذلك السياسي مدعي الحذق. فهو يرمبل في إجابته على أسئلة الصحفيين والإعلاميين، أو في استجوابات مجلس الشعب. وهو يفعل ذلك دهاء ومخاتلة أملا في أن يتوه السائل عن غرضه ويضل المستفهم عما يهدف إليه.
ومن أنواع الرمبلة تلك، المعروف باسم رمبلة السائل. وهي تدخل في باب السفه والخيابة وأكثر مرتكبيها من مذيعي التلفاز أو المرئي. وغايتها ادعاء المربل أنه فصيح أو عالم. وهو في هذا يسهب في لغو الكلام، دون مقصد أو مرام. وآية ذلك تجده في صنف من الإعلاميين يحترف الرمبلة في طرح الأسئلة. وهو يرى في هذا فنا من فنون الحذق في الكلام وضربا من ضروب الفصاحة. فيرمبل سؤاله فلا تعلم أسؤال هذا أم أجابة! وهو بعد انتهائه من طرح رمبلته لا يبغي استماعا إلى إجابة، وإنما يصرف الوقت ساهيا عن ضيفه، يتيه من الهوى ويكاد يقول لمشاهديه: “شفتوني وانا باسأل؟ أجنن مش كده؟”
وقد كتب الشاعر في هذا الصنف:
ثلاث مهلكات لا محالة
هوى نفس يقود إلى البطالة
وشح لا يزال يطاع دأبا
وعُجْبٌ ظاهر في كل حالة
أما أفة الآفات فهي اجتماع المرمبِلَين: المرمبل السائل والمرمبل المجيب. فأحدهما لا يصيب بسؤاله مراما والثاني لا يصل بسامعيه إلى بر. والاستماع إلى أي منهما مضرة وإلى كليهما مهلكة وأي مهلكة.
ولا يفوتنا قبل نقوم من هذا المقام أن نشير إلى المرمبل القائد. وهو قمة الإعجاز في باب الرمبلة خاصة إذا دخلها من باب الصندوق، أو وصل غايتها بدعم من عشيرة أو جماعة. فهو في حاله هذا مربل ذاهل يصرفه ذوو المصلحة عن حاله ولا يجد في معيته ناصحا أو صديقا. له من دعم صندوقه حصانة الكلام. يمنحه ما يعتقد من ذرابة لسانه رخصة ليست لغيرة. فيتحدث الحديث في غير موضعه ويلقى بالكلام على هواه وعواهنه.
تره في المؤتمرات والمناسبات متدفقا عن غير علم، ومطنبا في حديث عن جهل وضلال. يشرق بسامعيه ويغرب وهو يحسب أن حديثه حديث المغرد. جاهل في غيه عما يقولونه في أنفسهم وذاهل بعجبه عن عجز البيان فيما يقول.
ولا يمنع الأمر من أنه في أحيان قد يرمبل في غير عشيرته. وتبعات هذا وخيمة ونتائجه عقيمه.
إذ يعمد سامعوه إلى وضعه في الحرج إما بالانصراف أو الهرج.
ولو أعجزتهم الحيلة فلهم في شد الفيشة أقوى وسيلة.
وهو عندها يسكت كالمذهول حتى يعود إلى جمعه المأمول. فيزيدهم من قوله أطنابا، ويزيدونه من عجبه إعجابا.
حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، ويفرج عن عباده فرجا مأمولا.
وقانا الله شر الرمبلة والمرمبلين، وأحسن صلاحنا وإياكم إلى يوم الدين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s