إذاعة زاريا ودولتها

قبل سقوط الاتحاد السوفيتى السابق بقليل زرت مدينة سان بطرسبرج التى عرفت آنذاك باسم ليننجراد. وصلت مساء إلى فندق صغير اسمه «زاريا». كان فندقا بسيطا ولم تكن فى غرفه أجهزة تليفزيون. اللطيف أننى وجدت فى ركن الغرفة جهاز راديو كبير الحجم إلى حد ما. أثار الجهاز استغرابى منذ الوهلة الأولى إذ لم أجد فيه سوى زر واحد. تديره إلى اليمين فيعلو الصوت ثم إلى اليسار فيخفت. بعد دقائق قليلة أدركت أننى أمام جهاز راديو به محطة واحدة. جهاز لا يعطيك سوى خيار واحد فقط ولك أن تستمع أو ألا تستمع.

كان هذا هو إعلام الأنظمة الشمولية. هناك فكر واحد هو الفكر الصحيح، وهناك رأى واحد هو بالقطع الرأى الصائب.

والتجربة فى الواقع تستحق النظر خاصة بعد صدور بيان مشترك من غرفة صناعة الإعلام المرئى والمسموع، واتحاد الإذاعة والتليفزيون جاء فيه أن الإعلام فى هذه المرحلة، «سيعلى ضميره الوطنى والمهنى» وهو ما قد يشى، لا سمح الله، بأن هذا تحول إيجابى عن مرحلة كان الإعلام فيها بلا ضمير وطنى أو مهنى.

وربما لا يختلف الأمر كثيرا مع بيان رؤساء تحرير الصحف الصادر بعد اجتماعهم فى مقر صحيفة الوفد والذى أكدوا فيه رفضهم «للتشكيك فى مؤسسات الدولة. فى خياراتها الأساسية أو التطاول على الجيش أو الشرطة أو القضاء».

يأتى هذا بعد إيقاف مذيعين نسبت إليهم مثل هذه «الجرائم» بما يشى بأننا فى حالة نادرة من حالات الاصطفاف الوطنى. وهو ما يدفعنى لعرض حل غير تقليدى للأصوات «النشاز» فى إعلامنا.

التعددية الموجودة هى لا شك إحدى أكبر المشاكل. ومع استمرارها سيكون هناك احتمال لسماع آراء غير مستحبة. مهما اتفق أو اختلف الإعلاميون ستوجد مساحة يمكن أن يتسرب من خلالها رأى «طائش» والآراء الطائشة كثيرة.

هناك مثلا من يشككون فى أحكام القضاء بعد أن صدر الحكم بالسجن على عدد من النشطاء وشباب الثورة.

وهناك من يقولون بأن بعض الأساليب المتبعة لمقاومة الإرهاب فى سيناء تأتى بنتيجة عكسية خاصة مع ما يقع على أهالينا هناك من ضرر بعد قلع أشجارهم ومحاصيلهم وتضييق سبل العيش عليهم مع التدنى الواضح للمنظومة الخدمية هناك من شبكات طرق وخطوط اتصال ومرافق ومراكز علاج.

أضف إلى ذلك من يحاولون التفريق بين مساندة رجال الشرطة الشرفاء فى التصدى للإرهاب من جهة، وبين التغاضى عن استغلال النفوذ وتجاوزات بعض أفراد هذا الجهاز بما ينتهك حقوق الإنسان والوطن.

ولا ننسى أيضا من يطالبون بإعادة النظر فى منظومة التجنيد بما يحسن من ظروف الخدمة العسكرية للمجندين ويدعم انتماءهم للوطن.

فى ظل الاصطفاف الوطنى الذى ننعم به اليوم لا يصبح من المفيد أن نسمح لأى من هذه الأصوات المارقة ببلبلة الرأى العام. ومع وجود عدد كبير من المحطات والقنوات التليفزيونية والإذاعية يظل احتمال تسرب الأصوات النشاز واردا. السيطرة الكاملة قد تتحقق لو أخذنا قرارا شجاعا بإغلاق جميع محطات التليفزيون والإذاعة ولا مانع أيضا من إغلاق الصحف. يكفينا إذاعة واحدة، ومحطة تليفزيون وربما صحيفة. وهو ما سيسهل السيطرة على ما ينشر أو يبث. فلا جدوى من إنفاق هذه المبالغ الطائلة على مختلف الوسائل الإعلامية طالما أننا نعرف الرأى الصائب والطريق الصحيح. طريق راديو زاريا ودولتها.

مقال في المصري اليوم 29  أكتوبر 2014
bit.ly/zariar

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s