انتحرت.. لي (2)

حسام السكرى

  حسام السكرى

تلقيت أول صفعة فى حياتى من معلمتى أبلة عنايات، بعد أيام من التحاقى بالمدرسة الابتدائية. تذكرتها عندما قرأت خبرا عن انتحار طفلة فى الصف السادس الابتدائى بسبب ضرب مدرسها لها. ذكرنى هذا بالفزع الذى عشته وقتها كل صباح منذ دخلت المدرسة.

فى أحد الأيام فوجئت باستدعاء من مديرة المدرسة. خرجت إلى الحوش الرملى الواسع. أظافرى كانت مقصوصة وحذائى كان مدهونا. هل كان هذا كافيا لكى لا يضربنى أحد؟ تساءلت: هل تصفعنى الناظرة؟ وإذا فعلت هل سيكون هذا بشكل مباغت كما كانت تفعل أبلة عنايات؟ ارتجفت وانا أخطو إلى المكتب حيث كانت تنتظرنى مفاجأة.. أمى!

أجلستنى الناظرة فى مواجهتها وبدأت حوارا وديا تطور فجأة: أبلة عنايات عاملة معاك إيه؟ ــ كويسة ــ بتحبها؟ ــ آه ــ أبلة عنايات بتضربك؟.. صمت.. ذعر.. كشف السر. تماسكت وأجبت ــ لأ ــ بس ماما بتقول إن أبلة عنايات بتضربك ــ لأ ما بتضربنيش. أمى تتدخل: إنت قلت إنها بتضربك ــ لأ ما قلتش.

تجاهلت الحيرة التى علت وجهها وخرجت عائدا لفصلى.

فى المنزل استقبلتنى أمى على الباب متسائلة: كذبت علىَّ؟ ــ لم أكذب ــ أبلة عنايات بتضربك واللا لأ؟ ــ بتضربنى ــ ما قلتش كده ليه قدام الناظرة؟

غمرنى الخوف. لم أنطق. أخذتنى فى حضنها. قلت بصوت مختنق: «بعد ما اقول للناظرة كنتى هتسيبينى معاهم وتروحى».. بكيت.. كيف كان لأمى أن تفعل هذا بى؟!

فى اليوم التالى، مضت الحصة الأولى بسلام وبدا أن أبلة عنايات تتجاهلنى. دخل رسول إلى الفصل ينادى: حسام السكرى يروح لأبلة الناظرة وياخد حاجته معاه. جمعت أدواتى وحقيبتى وذهبت لأجد والدى فى حلته العسكرية. ناولته المديرة ملفا أزرق. نظر فى محتوياته ثم أخذه فى صمت. مد يده إلىَّ فضاعت راحتى فى قبضته. خطونا خارج المكتب. ألقيت نظرة على الشجرة ذات الأزهار الحمراء. جلس أبى إلى جوار سائق سيارته وأنا إلى جواره. عدنا إلى المنزل ثم انطلق هو إلى عمله.

كنت سعيدا. عرفت أننى لن أشاهد أبلة عنايات مرة أخرى طوال حياتى. لن أكتب «أحب أبلة عنايات» مئة مرة. لن تفاجئنى بصفعاتها المفاجئة.

فى المساء أخذت مخدتى الصغيرة. دخلت غرفة نوم والدىَّ. تسلقت الصندوق الحديد المجاور لسريرهما، ثم تسللت بينهما. كان أبى نائما على جنبه. وضعت مخدتى على المخدة العريضة التى كان ينام عليها. استلقيت بجواره ووضعت كفى الصغيرة على صدغه. كنت دائما استمتع بلمسة ذقنه الخشنة. ورحت فى النوم.

فى الصباح أخذتنى أمى إلى مدرسة فاطمة النبوية الابتدائية المشتركة التى تتردد عليها أختاى الأكبر منى هالة وعزة.

أذكر الحيرة واليأس الآن علا وجه أمى. كانت أبلة إحسان تقول لها: ما كانش لازم تخرجيه من هناك. احنا معندناش مكان. أنا عارفة إن اخواته هنا، بس احنا ما بناخدش ولاد خلاص. هنقلبها بنات بس. جربى فى مدرسة عثمان بن عفان اللى قصادنا.

أسقط فى يد أمى. تأهبت لمغادرة المكتب. نظرت إلى ناظرة المدرسة فى يأس ثم ندت عن شفتيها عبارة مترددة. قالتها بشكل عفوى ولكنها كانت كافية لتغيير الموازين وتحويل مجرى حياتى.. bit.ly/girli2 مقال صحيفة الشروق: الأحد ٢ نوفمبر ٢٠١٤

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s