انتحرت لي… (٣)

نتحرت طفلة فى الصف السادس الابتدائى بسبب ضرب مدرسها المتكرر، وذكرنى انتحارها بمدرستى فى الصف الأول الابتدائى أبلة عنايات، وبقرار أبوى تم إخراجى من المدرسة. أخذتنى أمى لمدرسة أخرى ولكن المديرة لم تقبلنى وقالت لها: «أنا عارفه ان اخواته البنات هنا، بس ماكانش لازم تخرجيه. الفصول كلها مليانة واحنا ما بناخدش ولاد تانى. هنقلب المدرسة بنات».

أسقط فى يد أمى. قالت بصوت خفيض قبل أن تخرج من مكتب المديرة: «بس ده بيعرف يقرا». صمتت الناظرة لوهلة ثم استوقفتها: يعنى إيه بيعرف يقرا؟ ده لسه داخل سنة أولى! أدركت أمى أنها لمست وترا ما دون أن تدرى. «والله بيعرف يقرا ومش زى العيال الصغيرة. اخواته كانوا بيقروا له كتير وهو اتعلم لوحده».

رمقتنى المديرة بنظرة شك وطلبت منى أن أقرأ لافتة من بين ستة لافتات عليها قطوف من الحكم والأقوال المأثورة، كانت تزين جدران مكتبها. قرأت إحداها بطلاقة، فاختارت الناظرة لافتة أخرى، ثم أخرى. كلما قرأت واحدة كانت نظرتها تتغير. فى غضون دقائق كان الشك والريبة قد اختفيا تماما وحلت محلهما نظرة إعجاب. نسيت المديرة وجود أمى تماما. نهضت فجأة من خلف مكتبها وانتزعتنى من الكرسى. خرجنا إلى الردهة المفضية إلى حجرتها، ثم إلى الممر المكشوف الذى تراصت على جانبه فصول الصف الأول. كانت تجرى، وأنا أحاول مجاراة سرعتها، وأمى تحاول اللحاق بنا.

ارتفع صوتها: أبله سعاد.. يا أبله سعاد. خرجت أبلة سعاد من فصل أولى تانى فى نهاية الممر. شعرها أسود قصير، أكمامها مشمرة وفى إصبعها قطعة من الطباشير المربع الذى كانت تفضله على «طباشير الحكومة». ارتفع حاجباها دهشة. قالت لها الناظرة: الولد ده بيعرف يقرا أحسن من بتوع سنة سادسة! ثم انتبهت إلى أمى التى كانت قد أدركتها للتو. نظرت لها باسمة: هندخله فصل ولاد الأبلوات. أبله سعاد هلال أحسن مدرسة عندنا. التفتت إلى الناظرة وقالت: ادخل فصلك عند أبله سعاد يا حسام.

خطوت إلى الداخل فى وجل. لست معتادا على الاحتفاء. أكثر من مئة عين تحدق فى. خطوت بين الصفوف متجها إلى دكة فى آخر الفصل. نادتنى أبله سعاد: حسام.. تعال. تجمد الدم فى عروقى. عدت أدراجى واقتربت منها فى وجل. هل ارتكبت خطأ ما؟ تحركت يدها اليمنى. تسمرت عيناى على راحتها. ترى هل تصفعنى؟ استقرت يدها على شعرى فى حنو، ثم احتضنت وجهى بكفيها وقالت: أنا عاوزاك تقعد قدامى.. جنب ولاء.

التفت خلفى فوجدت طفلا يجلس وحيدا على درج فى مقدمة الفصل. اتسعت ابتسامته وبدا عليه زهو واضح وأنا أخطو لأجلس بجواره.

جلست مترددا بجواره. أخرج ولاء يده من جيب مريلته البنية، ودس شيئا ما فى يدى. فتحت كفى فوجدت قطعة عملة صغيرة حمراء متعرجة الحواف. خمسة مليمات سودانية، ومعها قطعة من البلاستك الأسود بدت لى وكأنها درع منيع لفارس شديد الصغر. بنبرة توحى بالأهمية قال ولاء: «ممكن اديهملك هدية؟ بابا جابهملى من السودان». ثم أضاف بعد لحظة صمت: الله يرحمه. احتضنت كفه الصغيرة يدى وضغط عليها قائلا: هاتبقى صاحبى مش كده؟ ابتسمت وهززت رأسى مؤمنا، وضغطت على يده. فى فصل أبله عنايات لم يكن لدى أصدقاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s