أرشيف التصنيف: Soceity

الصمت… أو لماذا نكتب؟

دوافع ممارسة حماقة الكتابة كانت دائما محل سؤال. وممن حاولوا الإجابة عنه، جورج أورويل، صاحب رواية 1984، التى اشتهرت فى مصر بعد أن تم تحريزها ضمن مضبوطات أخرى وجدت مع طالب، أثار ريبة أجهزة الأمن بوجوده، للغرابة، فى محيط الجامعة التى يدرس بها. قال أورويل «أنا أكتب لأن هناك كذبة ما أريد فضحها، حقيقة ما أريد أن ألقى الضوء عليها».

فضح الأكاذيب وإظهار الحقائق هو إذن دافع مشروع للكتابة. وهنا تأتى إشكاليتنا المصرية. فالسؤال الذى نطرحه هنا لم يعد «لماذا نكتب»، وإنما أصبح «لماذا نظل نكتب؟»

الكتابة فعل أحمق بما يكفى، إذا اجتنب الكاتب الممالأة والنفاق، وابتعد عن استغلال قلمه لتحقيق المنافع. لكن الاستمرار فيها يصبح ضربا من العبث عندما لا يبدو أنها تحقق مردودا ما، بل وتتسبب فى خسائر على المستوى الشخصى والاجتماعى. وربما كان هذا ما دفع كتابا مثل علاء الأسوانى وعز الدين شكرى فشير فى العام الماضى للتوقف، ودفع آخرين لأخذ استراحة التقطوا فيها أنفاسهم ثم عادوا. وهو ما حدث مع بلال فضل والدكتور أحمد عبدربه.

شهد عام 2014 حماسا محموما، لحث الإعلام على حشد الجماهير، والاصطفاف خلف الدولة فى مواجهتها مع جماعات العنف. ولكن، من هم الذين يهددون صلابة الجبهة الداخلية والاصطفاف الوطنى إن لم يكنوا المسئولين الذين يتجاهلون الرد على كشف الحقائق وفضح الأكاذيب؟.. المسئولين الذين يتجاهلون مسئوليتهم أمام الرأى العام ويتعاملون مع الفضائح بالصمت.

فى عام 2014 كتبت الصحف بوتيرة متزايدة، عن تجاوزات بعض أفراد الشرطة فى حق المواطنين، وعن حالات تعذيب، واعتقال عشوائى. واختتمت السنة بتقارير عن ارتفاع حاد فى أعداد الوفيات أثناء الاحتجاز داخل أقسام الشرطة. اقترب العدد من المئة، ولم نسمع أن إجراء قد اتخذ. ضرب البعض الاصطفاف الوطنى، بممارساتهم المدانة محليا ودوليا. ولم نحصل من المسئولين إلا على.. صمت.

قبل نهاية العام كتب كثيرون مذكرين بالوعد الخاص بجهاز علاج الإيدز لصاحبه ومؤلفه اللواء فنى معمل إبراهيم عبدالعاطى. انطلقت على مواقع التواصل الجماهيرى هاشتاجات تذكير بفضيحة «كفته جيت»، على وزن «ووترجيت» التى أطاحت بالرئيس الأمريكى الأسبق ريتشارد نيكسون.

ولأن مجتمعنا يتمتع بخصوصية تميزه عن غيره، لا تطيح فضائحنا سوى بمن سلطوا الضوء عليها، وهو ما بدا واضحا فيما حدث مع باسم يوسف. ولا نعلم حتى الآن أين ذهب صانع الكفتة الذى خدع رءوس الدولة، وباعنا الوهم، وحصل على رتبة من أعلى رتب القوات المسلحة لقاء عملية نصب مخجلة. انتظرنا تصريحا يطمئن المحتشدين فى اصطفاف وطنى نادر خلف الدولة، ويزف لهم نبأ تحقيق أو محاسبة، ولم نحصل سوى على رد معتاد.. صمت.

فى نهاية العام تسربت تسجيلات صوتية لمسئولين، تقتضى تحقيقا وربما مساءلة، عن كيفية التعامل مع جريمة قتل «حاجة وثلاثين» شخصا داخل عربة تابعة لوزارة الداخلية. بخلاف حصول هذه التسريبات على وصف «مزعومة»، لم نسمع عن مساءلة أو تحقيق، أو بيان، أو إيضاح. رد الفعل، كالمعتاد، صمت.

عزيزى القارئ: كتبنا فى 2014، وسنظل نكتب فى 2015. ولو سألتنى لماذا نظل نمارس حماقة الكتابة فربما لا أجد سوى إجابة واحدة.. صمت.

المقال في صحيفة الشروق bit.ly/elsamt
مقالات صحيفة الشروق كل أحد: bit.ly/shsok
مقالات صحيفة المصري اليوم كل أربعاء: bit.ly/masrysok

كومباوند بيفرلي هيلز

بيفرلي هيلز.. حشيش وأماني طيبة

.. مكسوف ومحرج جدا.. ها تقولي ليه؟ اسمع الحكاية

اول أمس انتهى بي الحال إلى كومباوند (أي مجمع سكني) على أطراف القاهرة، اسمه بيفرلي هيلز (في إشارة إلى بيفرلي هيلز الأم في الولايات المتحدة).
المكان جميل ويسكن فيه أثرياء القاهرة، ومن بينهم أحد الأصدقاء.
انتهى بي الحال في مطعم يمكن القول إنه في مكان اكثر “رقيا” وغلاء، حتى من باقي أماكن الكومباوند. انضم لنا فيه مزيد من الأصدقاء.
لحد كده كويس؟ طيب
على الساعة تسعة كده كان الكلام بيني وبين أصدقائي خلص، والناموس ابتدي يلسع (لإنه ما بيعرفش الأغنيا من الفقرا)… والمزيكة ابتدت تعلا وانا بيني وبينكم ماليش في الدوشه قوي.
حاولت الاتصال بتاكسي من أي نوع إلا أن الأمر لم يتيسر، أقرب سيارة أجرة كانت تبعد عنا بنحو ساعة ونصف.
تصورت أن انتظار تاكسي على البوابة أو في الطريق خارج الكومباوند ممكن، وقررت مغادرة المكان. حذرني الأصدقاء من أن العثور على تاكسي في هذا المكان وفي ذلك الوقت يعتبر من رابع المستحيلات، ففقراء هذا المكان لديهم سيارات (وليس سيارة) إن لم يكن لديهم سائق أو أكثر، وعربات الأجرة يندر أن تدخل إليه أو تخرج منه.
ونظرا لفقر الخيال وقلة الفطنة، تصورت أن الأمر لا يعدو أن يكون مبالغة وتوكلت على الله ومشيئته.
مشيت ما يقرب من ربع الساعة وسط بيوت فاخرة وطرقات مقفرة، حتى وصلت إلى البوابة الفارهة. نظر الحارس إلي في فضول، وزاد عجبه عندما أخبرته أنني في انتظار تاكسي فأفهمني الرجل بلطف بأن الفكرة مستبعدة.
رميت النظر فوجدت اتوبيسا يقف على مبعدة منا في ميدان صغير، داخل الكومباوند المترامي الأطراف، وقد التف حوله عمال النظافة بزي مهندم، تزينة علامة ارتسمت شبيهتها على جدار الباص المنتظر.
وسط نظرات الاستغراب من هذا “البيه اللي ماشي على رجله” (وهو ما الاسم الذي أطلقه عليه أحدهم هامسا في أذن زميله)، اقتربت منهم وقلت.
– ساموا عليكو… والنبي ياجدعان ما حدش يعرف الاقي اتوبيس واللا تاكسي واللا ميكروباص فين؟
مسحوني بنظرة سريعة، وقال أحدهم وهو يشير لسائق الباص: اسأل عم احمد..
سألني عم احمد في طيبة عن وجهتي فأخبرته.. “اركب يا بيه اركب” قالها في أدب وحنو.
اتخذت مكاني في الباص بالقرب منه. توقفنا بضع مرات في الطريق ليلتقط عمالا كانوا يعرفون بعضهم بالإسم.
يصعد كل واحد منهم بضع درجات إلى داخل الأتوبيس، ثم يرمقني في فضول وينضم إلى زملائه.
نصف ساعة تقريبا قضيتها وسط بحيرة من الطيبة الآسرة. خليط من اللهجات المصرية لا علاقة لها بكلام أهل القاهرة أو الإسكندرية. منصوريين ودمايطة ورجال من أهل الصعيد، فرقتهم لقمة العيش واحتوتهم مشروعات النظافة التي تخدم على أغنياء العاصمة.
فكرت أكثر من مرة في أن أتجاذب أطراف الحديث معهم. لكنني ولسبب ما أحسست بالخجل منهم. فكرت مرة أن أخبرهم أن أسألهم عن رأيهم فيما تنشره الصحف ويبثه التليفزيون، وهو ما أفعله كثيرا مع سائقي التاكسي، ولكنني ترددت. ربما يظنون أنني أسخر منهم ومن معاناتهم. فعلى الأرجح لا يجد الواحد منهم وقتا لكي يشاهد التليفزيون. يعودون منهكين لتناول طعام العشاء ثم ينامون حتى الصباح ليبدأوا دورة عمل جديدة.
استيقظت من تأملاتي “البورجوازية” وهمومي الصغيرة على صوت عم أحمد الطيب: بص يا بيه عند الميدان ديه تلاجي ميكروباصات ميدان لبنان.
تركت السيارة وعلى فمي ابتسامة اجتهدت في تتسع بقدر طاقتي. شكرته وصحت في العربة:
– ساموعليكو أرجاله..
ابتسم البعض وضحك البعض الآخر..
أضواء الميدان الصغير كانت صفراء وخافتة، ولم يكن فيه من البشر كثيرون. وصل إلى الميدان ميكروباص صغير ودار دورة كاملة حوله ثم وقف أمامي. فتح السائق بابه بسرعة وقفز من العربة، وهرول إلى الناحية الأخرى حيث أقف. فتح الباب فتقدمت ظنا مني بأنني اتمتع بخدمة “ليموزين” في شكل ميكرباص. اعترض طريقي السائق العشريني قائلا.. استنى يا بيه..
اخرج هاتفه المحمول وحوله إلى كشاف صغير وانهمك في البحث عن شيء ما يبدو ان سقط بين حشيات الكراسي في الجزء الأمامي من العربية.
– وقع منك حاجة؟ سألته
– امال يعني باتعايق بالموبايل؟ رد في سخرية
– فلوس؟
– لأ
– موبايل؟
– يا عم احنا لاقيين ناكل اما هامشي ومعاين موبايلين؟
– محفظة؟
– وهي لو محفظة هاولع لها الكشاف؟
ادهشتني عبارته الأخيرة، ولم افهم السبب في أن المحفظة قد لا تحتاج كشافا.. ربما يقصد أن ما سقط منه شيئ صغير الحجم!
قرر محمود، وهو اسمه كما عرفت فيما بعد، ان يقتل فضولي فقال: حتة حشيش يا سيدي.. استريحت؟ أنا مش فارق معايا الحتة.. في ستين داهية الصراحة.. بس انا مش عايز حد يضايقني لو وقفنا في لجنة واللا حاجة وحد لقاها.. كلهم حشاشين ولاد وسخة بس تيجي عالغلبان اللي زي حالاتي وتبقى جناية. تسدق بالله.. مرة لقوا معايا حتة خدوا نصها وحرزوني بالباقي… بيني وبينك انا قلت مصلحة.. كل ما يقل الحرز كل ما يكون احسن… مد ايدك يا بيه كده من عندك.. حدقت في اركان الكابينة الأمامية..
هي السلوفانة دي يا اسطى؟..
– لا يا بيه
– هي كانت ملفوفة في سلوفان واللا سايبه؟
– يا بيه هو المسطول بيعرف الفرق
اركب اركب خلاص.. ربك مش قاسمهالنا الليله دي..
ركبت بجواره في الكابينة الأمامية..
انتظرنا قليلا أملا في أن يلحق بنا بعض الركاب في هذه الساعة. لم يفلح محمود في ان يجتذب إلى الميكروباص عددا كافيا من الزبائن. امتلأ أقل من نصفه. لم ألمح منهم إلا فتاة مليحة الوجه ترتدي حجابا ويلفها جلباب ضيق يبرز مفاتنها. خطت نحونا في تؤدة لتسأل في خجل “ميدان لبنان؟”.. أيوه يا ست الكل.. اجاب محمود دون أن يرفع عينيه…
عادت من حيث جاءت بنفس التؤدة وكأنها تخشى ان تبرز الهرولة مزيدا من مفاتنها ثم ظهرت في صحبة منتقبة وطفل وامرأة مسنة. بعدهم انضم إلينا ركاب متفرقون، وزوج وزوجته يبدو كما لو انهما على حافة الجنون.
انطلق الميكروباص وبدأ محمود في جمع الأجرة. الطريق طويلة إلى ميدان لبنان والأجرة  جنيهان ونصف الجنيه. ربما كان هذا واحدا على المئة من تكلفة ما شربته مع الأصدقاء في بيفرلي هيلز. ناولت السائق خمسة جنيهات. جمعها مع ما يجمع من الركاب وبدأ عملية معقدة لتوفيق المصالح.
“حضرتك كده ليك اتنين جنيه ونص، حد معاه نص جنيه، بص حضرتك، اديله النص جنيه اللي معاك، وحضرتك معاك تلاتنفار وباقي العشرين، يبقى بص، الأستاذ اللي في الآخر يديك اجرته، وانت استناني لحد الآخر، والأخ اللي عند الشباك عندي ليك اتنين جنيه”.
فكرت في التغاضي عن باقي الجنيهات الخمسة. آخذ محمود يرمقني بحذر. أحسست بالحرج ووجدتني مدفوعا للسؤال: أنا لي باقي يا محمود؟ أجاب: أيوه يابيه، معايا اتنين جنيه بس مافيش معايا انصاص.
– ولا يهمك، هاتهم ونبقى خالصين.
ناولني محمود الجنيهين وانشغل في حوارات جانبية قبل أن يقف على جانب الطريق ليركب معنا رجل وسيدتان. دخلوا جميعا في نهاية العربة.
– الأجرة كام يا اسطى؟
– اكنين ونص
– اكنين بس
– ياعم الناس كالها دافعة الأجرة اكنين ونص..
لم تمر دقائق إلا وعلا صوت السائق والراكب وتداخلت العبارات. فرق الأجرة المتنازع عليه خمسون قرشا. نصف جنيه لم يعد يشترى اكثر من بعض أعواد الثقاب الرديئة، أو قطعة من لبان رخيص. نصف الجنيه صارت قيمته أقل من قيمة نصف القرش كما عرفناه من ثلاثة عقود.
افقت على صوت قطع النقد ترتطم بقاع علبة وضعها السائق بجانبه، قذفها محمود بحدة وهو يصيح:
– مش هي دي فلوسك؟ مش هي دي؟ خلاص يا عم خليها علي انا. على النعمة من نعمة ربي القرش اللي مش مرضي عنه بيروح ما بيقول راجعين. اسأل الأستاذ أدينا لسة “موقعين” حتة حشيش بخمسين جنيه. يا نهار ابيض يا جدعان، خمسين قرش هانعمل عليها حوارات!
اصابتني كلمة “موقعين” بقشعريرة.. هكذا اصبحت شريكا في الحيازة.
قطع محمود كلامه فجأة ونظر إلى ثم مد يده في العلبة. النص جنية بتاعك يا بيه.
شكرا يا محمود، ما انا قلتلك خالصين.
– يا بيه حقك يا بيه
– ياسيدي انا مسامح
ابتسم محمود ثم مد يده نحو علبة السجائر. طب مد إيدك وخد سيجارة معايا يا بيه. ما تكسفنيش.
نظرت نحوه، رأيت في عينيه رجاء من نوع ما، رغبة في أن نصبح أصدقاء ولو لبضع دقائق. مددت يدي واخذت السيجارة.
– أولع لك؟
اجبته: شكرا وامسكت لساني قبل أن أقول: أصلى ما بدخنش.. عدلتها وقلت: اصلي لسه شارب.. هاولعها بعدين.
وصلنا ميدان لبنان، غادرت الميكروباص ورفعت صوتي: ساموعليكو…
كان الكل قد غادر العربة. ابتسم محمود وقال مع السلامة يا بيه.. التفت فوجدته الموبايل قد استحال مصباحا ومحمود انهمك مرة أخرى في فحص فرش السيارة واسفل المقعد. لمحني وقال ضاحكا: نصيبك محفوظ يابيه والنعمة بس نلاقيها، ثم اختفي داخل الميكروباص باحثا عن قطعة الحشيش.
على مقربة منه وقفت عربة أخرى ارتكن عليها تباعها، بانت عليه علامات الإرهاق وفوق أذنه اندست سيجارة مجعدة. مددت له يدي بالسيجارة التي احملها: دي للودن التانية.
اتسعت ابتسامته وتناولها شاكرا: من يد ما نعدمها

إذاعة زاريا ودولتها

قبل سقوط الاتحاد السوفيتى السابق بقليل زرت مدينة سان بطرسبرج التى عرفت آنذاك باسم ليننجراد. وصلت مساء إلى فندق صغير اسمه «زاريا». كان فندقا بسيطا ولم تكن فى غرفه أجهزة تليفزيون. اللطيف أننى وجدت فى ركن الغرفة جهاز راديو كبير الحجم إلى حد ما. أثار الجهاز استغرابى منذ الوهلة الأولى إذ لم أجد فيه سوى زر واحد. تديره إلى اليمين فيعلو الصوت ثم إلى اليسار فيخفت. بعد دقائق قليلة أدركت أننى أمام جهاز راديو به محطة واحدة. جهاز لا يعطيك سوى خيار واحد فقط ولك أن تستمع أو ألا تستمع.

كان هذا هو إعلام الأنظمة الشمولية. هناك فكر واحد هو الفكر الصحيح، وهناك رأى واحد هو بالقطع الرأى الصائب.

والتجربة فى الواقع تستحق النظر خاصة بعد صدور بيان مشترك من غرفة صناعة الإعلام المرئى والمسموع، واتحاد الإذاعة والتليفزيون جاء فيه أن الإعلام فى هذه المرحلة، «سيعلى ضميره الوطنى والمهنى» وهو ما قد يشى، لا سمح الله، بأن هذا تحول إيجابى عن مرحلة كان الإعلام فيها بلا ضمير وطنى أو مهنى.

وربما لا يختلف الأمر كثيرا مع بيان رؤساء تحرير الصحف الصادر بعد اجتماعهم فى مقر صحيفة الوفد والذى أكدوا فيه رفضهم «للتشكيك فى مؤسسات الدولة. فى خياراتها الأساسية أو التطاول على الجيش أو الشرطة أو القضاء».

يأتى هذا بعد إيقاف مذيعين نسبت إليهم مثل هذه «الجرائم» بما يشى بأننا فى حالة نادرة من حالات الاصطفاف الوطنى. وهو ما يدفعنى لعرض حل غير تقليدى للأصوات «النشاز» فى إعلامنا.

التعددية الموجودة هى لا شك إحدى أكبر المشاكل. ومع استمرارها سيكون هناك احتمال لسماع آراء غير مستحبة. مهما اتفق أو اختلف الإعلاميون ستوجد مساحة يمكن أن يتسرب من خلالها رأى «طائش» والآراء الطائشة كثيرة.

هناك مثلا من يشككون فى أحكام القضاء بعد أن صدر الحكم بالسجن على عدد من النشطاء وشباب الثورة.

وهناك من يقولون بأن بعض الأساليب المتبعة لمقاومة الإرهاب فى سيناء تأتى بنتيجة عكسية خاصة مع ما يقع على أهالينا هناك من ضرر بعد قلع أشجارهم ومحاصيلهم وتضييق سبل العيش عليهم مع التدنى الواضح للمنظومة الخدمية هناك من شبكات طرق وخطوط اتصال ومرافق ومراكز علاج.

أضف إلى ذلك من يحاولون التفريق بين مساندة رجال الشرطة الشرفاء فى التصدى للإرهاب من جهة، وبين التغاضى عن استغلال النفوذ وتجاوزات بعض أفراد هذا الجهاز بما ينتهك حقوق الإنسان والوطن.

ولا ننسى أيضا من يطالبون بإعادة النظر فى منظومة التجنيد بما يحسن من ظروف الخدمة العسكرية للمجندين ويدعم انتماءهم للوطن.

فى ظل الاصطفاف الوطنى الذى ننعم به اليوم لا يصبح من المفيد أن نسمح لأى من هذه الأصوات المارقة ببلبلة الرأى العام. ومع وجود عدد كبير من المحطات والقنوات التليفزيونية والإذاعية يظل احتمال تسرب الأصوات النشاز واردا. السيطرة الكاملة قد تتحقق لو أخذنا قرارا شجاعا بإغلاق جميع محطات التليفزيون والإذاعة ولا مانع أيضا من إغلاق الصحف. يكفينا إذاعة واحدة، ومحطة تليفزيون وربما صحيفة. وهو ما سيسهل السيطرة على ما ينشر أو يبث. فلا جدوى من إنفاق هذه المبالغ الطائلة على مختلف الوسائل الإعلامية طالما أننا نعرف الرأى الصائب والطريق الصحيح. طريق راديو زاريا ودولتها.

مقال في المصري اليوم 29  أكتوبر 2014
bit.ly/zariar

انتحرت.. لي (1)

انتحرت.. طفلة في الصف السادس الابتدائي تنهي حياتها خوفا من مدرس كان يضربها. شكته لأبيها فقال “علشان تبطلي لعب وتذاكري”.
أشعر بألمها وحيرتها ويأسها وعجزها لأني ذقتها كلها واعتصرتني مرارتها. احس بها لأني كنتها. انتحارها أحيا المشاهد الميتة.

– أجلس في نهاية الفصل. أمسك كراسة الحساب وأفتحها بيدين مرتعشتين. مساحة الصفحات البيضاء قسمتها خطوط زرقاء باهتة إلى مربعات كبيرة. تتراص الأرقام التي كتبتها كبيرة وواضحة على السطور. تقترب أبلة عنايات، وفجأة تصفعني على وجهي وتصرخ باستنكار: “حد يكتب الأرقام على السطر؟ الأرقام بتتكتب في وسط المربع يا حمار”. تستدير وتعود إلى مقدمة الفصل. أتساءل في نفسي: “وكيف لي أن أعرف؟ لم يخبرني أحد”. أخاف أن تسمع أفكاري فأتوقف. تسيل الدموع على خدي في صمت.
– في المنزل أجلس أمام كراسة الواجب. اتذكر أبلة عنايات. وهي تقول بصوت عال: “حسن خطك انت وهو”. أخرج المبراة. أبري قلمي الرصاص. أشك خدي. أشعر بوخزة وألم خفيفين. أطمئن وأعاود الكتابة بخط دقيق. في الفصل أفتح كراستي وأضعها على الدرج. تمر فتاتان صبوحتان طلبت منهما المدرسة اختيار كراسات المجيدين لعرضها عليها. تنظر فتاة إلى كراستي تندهش من دقة الخط. تنادي زميلتها في انبهار. تبتسم الفتاتان وتحمل أحداهما الكراسة بأناملها الرقيقة. تدخل أبلة عنايات إلى الفصل. تجري الفتاة نحوها. “أبلة.. أبلة.. بصي الكراسة دي”. تقلب المدرسة الصفحات وهي تسأل: “كراسة مين دي؟” ترد الفتاة: “حسام يا أبلة”. تمسك المدرسة الكراسة بحسم تطيح بها بكل قوة في اتجاهي. تصفع الكراسة وجهي ثم تسقط على الأرض. انحني لأرفعها. أجلس في صمت.
– “أحب أبلة عنايات” جلست في المنزل أكتب الجملة. أكرر كتابتها مرة بعد مرة وأنا أقاوم النعاس. جفوني تتراخي رغما عني. تمر أختى عزة التي تكبرني بخمس سنوات وتقول: “ده كتير قوي. هتكتبها كام مرة؟”.. أجيب: “مئة مرة”. تسحب الكراسة من بين يدي وتبدأ في كتابة الواجب عني. أروح في النوم بينما هي تكتب في همة.
– “تعال هنا وهات كراستك”.. أخرج متثاقلا بين الدكك. أقف إلى جوارها في رعب. تمسك الكراسة. تدخل مدرسة أخرى من فصل مجاور. تلمحني واقفا وتبتسم “أمور قوي الواد ده”. أبلة عنايات لا تعقب. تتبادل معها الحديث. تفاجئني بصفعة على وجهي دون أن تفتح الكراسة. يداهمني شعور مفاجيء بالذعر. أعجز عن مقاومة الرغبة في التبول. يسيل. اشعر بحرارة حارقة على ساقي. تنظر المدرسة الزائرة إلى صديقتها في دهشة “ليه كده؟”. أسمع صوتا حاسما وآمرا. “امش ارجع الدكة بتاعتك”.
– الصباح. ميعاد المدرسة. ارتعش واتصبب عرقا. تقترب والدتي وتحتضنني في حنان. تضع يدها على جبهتي. أشعر بخشونة حانية. “مالك يا حبيبي؟” غصة في حلقي تعجزني عن الكلام. تكرر سؤالها. “مش عاوز تقول لي؟” تسيل دموعي وتخرج الكلمات من بين شفتي خفيضة. “أبلة عنايات بتضربني”. دموعي تسيل. أخاف أن تسمعني ابلة عنايات. أخاف أن تعرف أني بحت. الكبار يعرفون كل شيء.
– تمر الدقائق ثقيلة في الفصل. يطل وجه طفلة من فرجة الباب “ابلة الناظرة عايزة حسام السكري”. ينقبض قلبي وأنا أسمع صراخ أبلة عنايات: “أمشي روح للناظرة.. شوف عملت إيه”
(يتبع)
صحيفة الشروق – الأحد  ٢٦ أكتوبر ٢٠١٤
bit.ly/Girli

ثورة القبلات وأشياء أخرى..

ثورة القبلات وأشياء أخرى..

الصورة دي بتطاردني في كل مكان… كل شوية تقودني اللينكات لها.
على مدى أسابيع أثارت هذي الصورة نقاشا حامي الوطيس لأن الفتى والفتاة على ما يبدو من مصر، وهي كما هو واضح محجبة. البعض يؤيدها باعتبارها رومانسية، والبعض تثيره “قلة الأدب” التي تجعل مثل هكذا أفعال تمارس في وضح النهار. أضف إلى ذلك إن البنت محجبة ولابسة عباية “من غير كباسين”.
لما كنت عايش في مصر من زمان شوية خيالي ما كانش هايجيب لحد هنا. النهاردة لما باطلع برج القاهرة والاقي مناظر زي كده بالضبط باكتشف ان المجتمعات ممكن تتغير بشكل جذري أبعد من خيالنا. ولما التغيير بيحصل بيلمس كل شيء. ولما الثورات بتقوم مش بس السياسة بتتغير، الحقيقة السياسة مش أهم حاجة ولا أول حاجة.
… أه وبالمناسبة قبل ما أنسى.. بعد انهيار السور في برلين وتساقط الأنظمة في شرق أوربا واحد ورا الثاني سافرت وزرت أكثر من عاصمة شرقية أوروبية. ورغم انها مجتمعات منفتحة و”متعودة دايما” إلا إن كل عاصمة سمعت فيها حكايات عن اللي الولاد والبنات عملوه في الميادين في الأيام الأولي للتغيير.. حاجات يمكن تخلينا نعمل للولد والبنت دول تمثال ونعلن اسماءهم باعتبارهم من الأبرار والقديسين..
الدنيا بتتغير يا جدعان..

دعوة للثورة أم للانحلال (والعري)؟ سؤال غير هام!

دعوة للثورة أم للانحلال (والعري)؟ سؤال غير هام!
أكيد الدنيا بتتغير… وبعض ملامح التغيير بتهز المجتمع من جذوره. البعض يرونها جزءا من الثورة والبعض يرونها علامات الانحلال.. والساعة.
ملامح التغيير ليست في مستوى الحركات الكبري وعلاقات الدول وتفاعلات الجماهير مع السلطة ولكنها تتجلى في أدق التفاصيل والأحداث. الفيديو المرافق لأعضاء جماعة فيمن اللائي تظاهرن أمام محكمة تونسية تحقق مع الشابة أمينة تايلر التي نشرت صورا عارية الصدر لنفسها في إطار حركة احتجاجية.
مشاهدة الفيديو ممتعة إذا أزحت موضوع التعري جانبا. فهو في رأيي ليس الموضوع. اعتبرها لحظة من لحظات التفاعلات الكيميائية التي يراقبها الباحث في المختبر. لحظة توتر ومواجهة ومكاشفة… بالمعنى الاجتماعي.
انس محتجات جماعة فيمن التي تخصصت في الاحتجاج السياسي بالعري، وركز في الحاضرين ورد فعلهم. اخرج من رد الفعل التقليدي بتاع أترضاها لأختك، وتجاوز سؤال هل هذا احتجاج أم انحلال وتابع علامات الانزعاج والقلق. التردد، الارتباك، العجز.
حالة الصدمة التي اعترت الواقفين. الغضب الذي دفع أحدهم للتشجع بعد فترة ثم الاقتراب في وجل (خشية لمس العاريات) ومحاولة إزالة اللافتات اللاتي يحملنها.
الملابس أو الأغطية القماشية الطائرة في الهواء. أعضاء فيمن وهن يقررن تعذيب الحاضرين بمزيد من الكشف بتسلق السور المنخفض. الجمهور يستجمع شجاعته ويقترب في حذر.
ثوان كأنها ساعات.. كل حركة فيها تستحق تحليلا ميكروسكوبيا لهذا المجتمع الذي بدأت حركة فيمن تصبح معلما متكررا فيه بعضوية فتيات مثل علياء المهدي وأمينة تايلر.
مخضوض؟ مندهش؟ زعلان؟ غضبان؟ مؤيد؟ داعم؟ سعيد؟
كل واحد فيكم بداخله اثنين من هؤلاء… على الأقل..

The below is from a BBC report:
Amina Tyler is charged with carrying an “incendiary object”. She appeared in court smiling, dressed in a white robe.
Conservative groups accuse her of insulting the city of Kairouan, a religious centre.
Ms Tyler scandalised some in her home country in March by posting photos of herself topless, with the slogan “my body is my own” written on her torso.
Femen, a Ukrainian group, is famous for its topless protests.
On Thursday, some 200 protesters, many religious conservatives, protested outside the court, chanting slogans against Ms Tyler, accusing her of attacking the city and insulting Islam.
Ms Tyler emerged from hiding earlier this month in Kairouan, where she wrote “Femen” on a wall near the city’s main mosque.
That was on the same day as authorities banned a group of ultra-conservative Muslims from holding their annual conference in Kairouan.
Ms Tyler was detained by police amid clashes and tear gas as an angry crowd gathered.
Her lawyers argue that a 19th-Century charge of carrying an incendiary object should not apply to a can of pepper spray she says she had been given by a foreign journalist for her own protection.
Lawyers saying they represented the city called for her to face the more serious charge of threatening public security. They were turned down by the judge.
The trial has drawn attention partly because it is set against the background of tensions in Tunisia, following the overthrow of former President Zine El Abidine Ben Ali in 2011.
There has since been an increase in the prominence of ultra-conservative Islamists known as Salafists, who campaign for greater public piety in Tunisia.
Femen describes itself as “fighting patriarchy in its three manifestations – sexual exploitation of women, dictatorship and religion”.
Ms Tyler’s fellow activists around the world have staged topless protests calling for her freedom.

ثقافة عايزة غسيل ومكوة!!

ثقافة عايزة غسيل ومكوة!!

طيب.. بما إني صاحب مرض وملازم الفراش اليومين دول وليس على المريض حرج… حابب “ألطش” شوية في ثقافتنا وتراثنا العظيم اللي كل ما بدقق فيه وافكر في اللي كانوا بيلوثوا دماغي بيه وانا طفل باحس بعمق المأساة التي أرى مظاهرها حولي في كل شيء، من انحدار مستوى الساسة والسياسيين لتدني الأخلاق لعدم الإدراك المطلق (مش شبه المطلق) لوجود كون اكبر حولنا فيه ثقافات تانية محترمة وناس بتفهم وعلوم وفنون وحاجات حلوة كتير.
كل ده جذوره غرسناها بإيدينا على مدى عقود ومش هانتحرك خطوة للأمام إلا لما ننقحها وناخد ثقافتنا وتراثنا كام “فم” غسيل ومكوة علشان تطلع القاذورات منه.
أحد هذه القاذورات ومعلش خدوني على قد عقلي هي “معلقة” كرمها العرب ووضعوها على أستار الكعبة لأنها على حد قولنا احنا معلقة عظيمة وقصيدة ما حصلتش ولازم تخلد. درسنا القصيدة، أو بعض أبياتها في مدارسنا. وقال مدرسونا إنها نموذج في البلاغة ومعجزة في التعبير وأسطورة في الفخر والعزة والإباء.
معلقة المئة بيت كتبها شاعر “تسيد قبيلته وهو في الخامسة عشرة من عمره” واسمه عمرو بن كلثوم. القصيدة فيها ما يسميه العرب بالفخر وهو غرض ثابت ومتكرر وممل من أغراض الشعر العربي.
والبيت الذي انغرس في ذهني ولم يخرج منذ أيام الدراسة هو:
ونشرب إن وردنا الماء صفوا…. ويشرب غيرنا كدرا وطينا.. وبقية القصيدة لا يخرج عن عزف هذا الوتر الممجوج
أفهم أن ندرس القصيدة والبيت في إطار أنثروبولوجي يحاول فهم آداب الشعوب في إطار بيئاتها المحلية ويفسر أمراضها النفسية والاجتماعي من خلال شرح السياق الذي ظهرت فيه. أما أن يصور لنا أن هذا هو الفخر والعزة فمسألة تحتاج تفسيرا… واعتذارا.
البيت، لمن صعب عليه فهم معناه، يفخر فيه كاتبه بأن قبيلته لها حق الشرب قبل الآخرين. وعندما تصل إلى النبع لتشرب فإن الماء يكون صافيا ورائقا. لم يتعكر لأن أحدا من بشر أو دواب قد حرك المياه وأثار الراكد في قاع النبع من غبار أو رمل. وبعد أن تشرب القبيلة المحترمة لا يبقى للغير إلا الماء “المطين”. وكل أبيات القصيدة امثلة مكررة من هذه العينة التافهة.
ما الذي يجعل إنسانا يفخر بأنه يترك “الكدر والطين” لغيره يشربه. والأغرب هنا هو ما الذي يرغم عاقلا على تضمين هذا الكلام الفارغ في مناهج الدراسة ليتعلم النشء منها أن الفخر والعزة هو في الاستعلاء على الناس والتفاخر والمباهاة بالسلطة والنفوذ، وهو ما تجد أثره في حياتنا كل يوم. حيث يرى كل شخص تقريبا أن خرقه للقانون وقواعد الذوق والاحترام للملكية العامة ولحقوق الأخرين هو السبيل الأكيد لدعم الهوية وتأكيد مظاهر التفوق والسيادة والنفوذ.
أين هي الأمثلة من كتاباتنا وتراثنا التي تحض على احترام الشعوب والثقافات الأخرى. لماذا نستمريء أن نكرر ونكرر أن لغتنا هي أجمل وأفضل لغات العالم (انت تعرف كل لغات العالم علشان تحكم؟)، وفنوننا أحسن، وجونا أفضل، وشعبنا أطيب، وتراثنا أعمق وتاريخنا أعرق؟؟
متى نعلم أولادنا أنهم جزء من عالم كبير عليهم أن يفهموه ويحبوه ويحترموه بدلا من التصادم معه وادعاء التفوق كوجه آخر من عملة واحدة عنوانها العجز والتخلف…
كفاية كده علشان بدأت أسعل وضغطي يرتفع…

ما هو الاستبحس؟؟

مع هذا البوست ستجد رابطا لأول حلقة من سلسلة وثائقيات اسمها بلاك ميديا (الإعلام الأسود أو الدعاية السوداء كما أسماها منتجوا الوثائقي الذي هو بالمناسبة لا علاقة له بأي شيء اسمه الفيلم الوثائقي إذ لا يضم سوى أخلاط من لقاءات سئل فيها الضيوف عن تعريفهم للدعاية السوداء).

ستلاحظ أن الحملة و”الوثائقيات” جزء من حملة مدعومة أو sponsored على فيسبيوك ووسائط إعلام الجمهور (المسمى بالاجتماعي) وفي الأيام القادمة ستظهر لك على التايم لاين الخاص بك شئت أم أبيت.
البرومو الذي ستجده لهذه السلسلة يشي بوضوح بأنها جزء من الحملة العامة على “الإعلام الفاسد” أو بعبارة أخرى الإعلام الذي لا يوافق هوى الجالسين في كراسي السلطة.
شاهدت الحلقة الأولى ولفت نظرى أن المتحدثين فيها على كبر أسمائهم قبلوا بفرضية وجود شيء اسمه “الإعلام الأسود” وبدأوا في تعريفه. وهو ما ذكرني بعدد من برامج التسلية التي تلتقي بأي شخص في الشارع وتسأله سؤالا سخيفا ثم تنتظر منه إجابة ذكية: ماذا تعرف عن التراكب الفوقي؟ ما هو تعريفك للسيتوقراطية؟ هل الاستبحس هو الحل؟
وجه الخلاف هو أن هذا الوثائقي يلبس عمة الجدية، ووجه الاتفاق هو أن أيا ممن سئلوا لم يقل بأن الاصطلاح مختلق وأن أدبيات وأكاديميات الإعلام لم تعرفه أو تتعامل معه قبل هذه اللحظة التاريخية التي أقحمناها فيه على الناس. وفعلوا كما يفعل السذج في برامج المنوعات وراح كل منهم يختلق تعريفا لما لا يعرف حتى تصب المسألة كلها في النهاية في صالح حملة متصاعدة لتكميم الأفواه والتعتيم على الأذهان.
ومع تحفظي الواضح والمعلن والأكيد على كثير من الممارسات غير المهنية في الإعلام الغير موافق، وتلك الأكثر غلظة وفداحة في إعلام السلطة الموافق ومن لف لفه، إلا أن السلسلة هدفها واضح وتؤسس لمدرسة في التدليس الإعلامي والسياسي تتمتع بمعالم واضحة وتتلخص في خلق كليشيهات تسهل قولبة أي محاولة للنقد أو الحث على التفكير في أنماط ذهنية سلبية يرفضها المتلقي سواء بصك اصطلاحات مثل إعلام الفلول، إعلام الخراب (وجبهته) وأخيرا الإعلام الأسود أو الدعاية السوداء.
وربما يكون التعريف في السطور السابقة هو إسهامي الأساسي في موضوع الإعلام الأسود، والذي أرى أن هذه السلسلة تقدم واحدا من أنصع الأمثلة عليه!!

شغل الفهامة… علشان خاطري!!

شغل الفهامة... علشان خاطري!!

يتزايد اعتقادي كل يوم بأن أكبر تحد نواجهه هو تغيير البنية الذهنية لأجيال كاملة من المصريين والعرب والمسلمين. من الصعب أن يتم تركيب العقلية والذهنية على مدى أجيال حول عبادة النص ومرجعيته مع التأسيس لانفصام كامل عن الواقع والمصلحة العامة وأوليات المنطق الذهني والنقد المبني على الفهم والتحليل ثم نتوقع أن يكون هناك تطور وحداثة أو حتى حوار مجتمعي. (من يحاور من؟ عن ماذا وعلى أي أساس؟ … أي أساس مشترك؟)
ويرتبط بمرجعية النص، وتفسير النص أو تأويله (باعتباره نص هو الأخر)، مسألة “تعويم النص”. وباستخدام الاثنين يتحقق لك سيطرة كاملة على عقول العامة من خلال العمل على محورين:
١- ربط الأذهان بثابت ومطلق لا يتغير ولا يمكن مناقشته
٢- تحويل هذا الثابت إلى مطاطي ومتحول (لكن بمزاجك انت فقط). مطاط ومبهم يسمح بأن تتحرك مرجعية النص التي تم تأسيسها على مدى عقود إلى مرجعية لمؤول النص باعتباره الحارس والأمين على معناه.
ملامح “فلسفة الخطاب” السلطوي الديني المبنية على هذين الشقين تلمحها في كل شيء حولك اليوم. وبعد أن كانت مقصورة على تيار يطمح إلى السيطرة ويستغل هذه الفلسفة في التمكين من عقول العامة في مواجهة سلطة تمكنت بالفعل وبالقوة، أمتدت المسألة إلى خطاب السلطة بعد الوصول إليها. وتحولت تقنيات التجهيل المستخدمة في الخطاب اللاهوتي إلى الخطاب السياسي للتعامل معه بنفس الآليات التجهيلية.
ورغم أن الخطاب السياسي كما عرفناه من الأنظمة السابقة لم يكن في عمومه محكما بالضرورة لكنه لم يصل إلى هذه الدرجة من الإبهام والهلامية والضبابية من قبل. عرفنا عن سياسيي النظام السابق أليات محددة للتدليس والغش والنصب والتزوير واستخدام إحصاءات وأرقام مغلوطة. أما الميوعة الشديدة في المعاني والمعلومات فهي خاصية جديدة نقلها لنا السلطوين الجدد من خطابهم الذي تدربوا عليها وانغمسوا فيه ولم يعرفوا غيره على مدى عقود.
لذا بدأنا نسمع عن “أصابع” تلعب في مصر، دون أن نفهم لمن هذه الأصابع، وفيم تلعب بالتحديد. نسمع اليوم عن استعانة النظام السابق بالخليج لحل أزمة الكهرباء مقابل “أشياء لا نقبلها الآن”.. ما هي هذه “الأشياء” التي لا نقبلها؟ وما هي تلك التي نقبلها؟ ولماذا كنا نقبلها سابقا؟ وهل هي “أشياء أبيحة” إلى درجة أن الرئيس لا يريد أن يلوث لسانه بها؟ وعم يتحدث الرئيس وأصحابه في هذه المناسبة أو غيرها؟..
العلم عند الله وعند صاحب النص.
سمعنا عن مؤامرات ستكشف، عن مليارات ستأتي، عن رخاء، عن نهضة، عن عالم هلامي كامل مصنوع من اللبن والعسل والكفتة والفتة والغزوات والسبايا وكل ما يداعب الحس..
عالم رخو ومدهش.
جذاب.
مريح.
فيه خبز وسولار وانطلاقة نحو المستقبل.
لا نراه ولكننا نرى من يراه.
ننجذب إليه لأن من يرسمه مجذوب يتحدث عنه بحرقة وحماسة إيمان
ومادام يراه فنحن أيضا نراه لأننا نرى من يراه..
أحبيبي يا ريس