أرشيف الأوسمة: حشيش

كومباوند بيفرلي هيلز

بيفرلي هيلز.. حشيش وأماني طيبة

.. مكسوف ومحرج جدا.. ها تقولي ليه؟ اسمع الحكاية

اول أمس انتهى بي الحال إلى كومباوند (أي مجمع سكني) على أطراف القاهرة، اسمه بيفرلي هيلز (في إشارة إلى بيفرلي هيلز الأم في الولايات المتحدة).
المكان جميل ويسكن فيه أثرياء القاهرة، ومن بينهم أحد الأصدقاء.
انتهى بي الحال في مطعم يمكن القول إنه في مكان اكثر “رقيا” وغلاء، حتى من باقي أماكن الكومباوند. انضم لنا فيه مزيد من الأصدقاء.
لحد كده كويس؟ طيب
على الساعة تسعة كده كان الكلام بيني وبين أصدقائي خلص، والناموس ابتدي يلسع (لإنه ما بيعرفش الأغنيا من الفقرا)… والمزيكة ابتدت تعلا وانا بيني وبينكم ماليش في الدوشه قوي.
حاولت الاتصال بتاكسي من أي نوع إلا أن الأمر لم يتيسر، أقرب سيارة أجرة كانت تبعد عنا بنحو ساعة ونصف.
تصورت أن انتظار تاكسي على البوابة أو في الطريق خارج الكومباوند ممكن، وقررت مغادرة المكان. حذرني الأصدقاء من أن العثور على تاكسي في هذا المكان وفي ذلك الوقت يعتبر من رابع المستحيلات، ففقراء هذا المكان لديهم سيارات (وليس سيارة) إن لم يكن لديهم سائق أو أكثر، وعربات الأجرة يندر أن تدخل إليه أو تخرج منه.
ونظرا لفقر الخيال وقلة الفطنة، تصورت أن الأمر لا يعدو أن يكون مبالغة وتوكلت على الله ومشيئته.
مشيت ما يقرب من ربع الساعة وسط بيوت فاخرة وطرقات مقفرة، حتى وصلت إلى البوابة الفارهة. نظر الحارس إلي في فضول، وزاد عجبه عندما أخبرته أنني في انتظار تاكسي فأفهمني الرجل بلطف بأن الفكرة مستبعدة.
رميت النظر فوجدت اتوبيسا يقف على مبعدة منا في ميدان صغير، داخل الكومباوند المترامي الأطراف، وقد التف حوله عمال النظافة بزي مهندم، تزينة علامة ارتسمت شبيهتها على جدار الباص المنتظر.
وسط نظرات الاستغراب من هذا “البيه اللي ماشي على رجله” (وهو ما الاسم الذي أطلقه عليه أحدهم هامسا في أذن زميله)، اقتربت منهم وقلت.
– ساموا عليكو… والنبي ياجدعان ما حدش يعرف الاقي اتوبيس واللا تاكسي واللا ميكروباص فين؟
مسحوني بنظرة سريعة، وقال أحدهم وهو يشير لسائق الباص: اسأل عم احمد..
سألني عم احمد في طيبة عن وجهتي فأخبرته.. “اركب يا بيه اركب” قالها في أدب وحنو.
اتخذت مكاني في الباص بالقرب منه. توقفنا بضع مرات في الطريق ليلتقط عمالا كانوا يعرفون بعضهم بالإسم.
يصعد كل واحد منهم بضع درجات إلى داخل الأتوبيس، ثم يرمقني في فضول وينضم إلى زملائه.
نصف ساعة تقريبا قضيتها وسط بحيرة من الطيبة الآسرة. خليط من اللهجات المصرية لا علاقة لها بكلام أهل القاهرة أو الإسكندرية. منصوريين ودمايطة ورجال من أهل الصعيد، فرقتهم لقمة العيش واحتوتهم مشروعات النظافة التي تخدم على أغنياء العاصمة.
فكرت أكثر من مرة في أن أتجاذب أطراف الحديث معهم. لكنني ولسبب ما أحسست بالخجل منهم. فكرت مرة أن أخبرهم أن أسألهم عن رأيهم فيما تنشره الصحف ويبثه التليفزيون، وهو ما أفعله كثيرا مع سائقي التاكسي، ولكنني ترددت. ربما يظنون أنني أسخر منهم ومن معاناتهم. فعلى الأرجح لا يجد الواحد منهم وقتا لكي يشاهد التليفزيون. يعودون منهكين لتناول طعام العشاء ثم ينامون حتى الصباح ليبدأوا دورة عمل جديدة.
استيقظت من تأملاتي “البورجوازية” وهمومي الصغيرة على صوت عم أحمد الطيب: بص يا بيه عند الميدان ديه تلاجي ميكروباصات ميدان لبنان.
تركت السيارة وعلى فمي ابتسامة اجتهدت في تتسع بقدر طاقتي. شكرته وصحت في العربة:
– ساموعليكو أرجاله..
ابتسم البعض وضحك البعض الآخر..
أضواء الميدان الصغير كانت صفراء وخافتة، ولم يكن فيه من البشر كثيرون. وصل إلى الميدان ميكروباص صغير ودار دورة كاملة حوله ثم وقف أمامي. فتح السائق بابه بسرعة وقفز من العربة، وهرول إلى الناحية الأخرى حيث أقف. فتح الباب فتقدمت ظنا مني بأنني اتمتع بخدمة “ليموزين” في شكل ميكرباص. اعترض طريقي السائق العشريني قائلا.. استنى يا بيه..
اخرج هاتفه المحمول وحوله إلى كشاف صغير وانهمك في البحث عن شيء ما يبدو ان سقط بين حشيات الكراسي في الجزء الأمامي من العربية.
– وقع منك حاجة؟ سألته
– امال يعني باتعايق بالموبايل؟ رد في سخرية
– فلوس؟
– لأ
– موبايل؟
– يا عم احنا لاقيين ناكل اما هامشي ومعاين موبايلين؟
– محفظة؟
– وهي لو محفظة هاولع لها الكشاف؟
ادهشتني عبارته الأخيرة، ولم افهم السبب في أن المحفظة قد لا تحتاج كشافا.. ربما يقصد أن ما سقط منه شيئ صغير الحجم!
قرر محمود، وهو اسمه كما عرفت فيما بعد، ان يقتل فضولي فقال: حتة حشيش يا سيدي.. استريحت؟ أنا مش فارق معايا الحتة.. في ستين داهية الصراحة.. بس انا مش عايز حد يضايقني لو وقفنا في لجنة واللا حاجة وحد لقاها.. كلهم حشاشين ولاد وسخة بس تيجي عالغلبان اللي زي حالاتي وتبقى جناية. تسدق بالله.. مرة لقوا معايا حتة خدوا نصها وحرزوني بالباقي… بيني وبينك انا قلت مصلحة.. كل ما يقل الحرز كل ما يكون احسن… مد ايدك يا بيه كده من عندك.. حدقت في اركان الكابينة الأمامية..
هي السلوفانة دي يا اسطى؟..
– لا يا بيه
– هي كانت ملفوفة في سلوفان واللا سايبه؟
– يا بيه هو المسطول بيعرف الفرق
اركب اركب خلاص.. ربك مش قاسمهالنا الليله دي..
ركبت بجواره في الكابينة الأمامية..
انتظرنا قليلا أملا في أن يلحق بنا بعض الركاب في هذه الساعة. لم يفلح محمود في ان يجتذب إلى الميكروباص عددا كافيا من الزبائن. امتلأ أقل من نصفه. لم ألمح منهم إلا فتاة مليحة الوجه ترتدي حجابا ويلفها جلباب ضيق يبرز مفاتنها. خطت نحونا في تؤدة لتسأل في خجل “ميدان لبنان؟”.. أيوه يا ست الكل.. اجاب محمود دون أن يرفع عينيه…
عادت من حيث جاءت بنفس التؤدة وكأنها تخشى ان تبرز الهرولة مزيدا من مفاتنها ثم ظهرت في صحبة منتقبة وطفل وامرأة مسنة. بعدهم انضم إلينا ركاب متفرقون، وزوج وزوجته يبدو كما لو انهما على حافة الجنون.
انطلق الميكروباص وبدأ محمود في جمع الأجرة. الطريق طويلة إلى ميدان لبنان والأجرة  جنيهان ونصف الجنيه. ربما كان هذا واحدا على المئة من تكلفة ما شربته مع الأصدقاء في بيفرلي هيلز. ناولت السائق خمسة جنيهات. جمعها مع ما يجمع من الركاب وبدأ عملية معقدة لتوفيق المصالح.
“حضرتك كده ليك اتنين جنيه ونص، حد معاه نص جنيه، بص حضرتك، اديله النص جنيه اللي معاك، وحضرتك معاك تلاتنفار وباقي العشرين، يبقى بص، الأستاذ اللي في الآخر يديك اجرته، وانت استناني لحد الآخر، والأخ اللي عند الشباك عندي ليك اتنين جنيه”.
فكرت في التغاضي عن باقي الجنيهات الخمسة. آخذ محمود يرمقني بحذر. أحسست بالحرج ووجدتني مدفوعا للسؤال: أنا لي باقي يا محمود؟ أجاب: أيوه يابيه، معايا اتنين جنيه بس مافيش معايا انصاص.
– ولا يهمك، هاتهم ونبقى خالصين.
ناولني محمود الجنيهين وانشغل في حوارات جانبية قبل أن يقف على جانب الطريق ليركب معنا رجل وسيدتان. دخلوا جميعا في نهاية العربة.
– الأجرة كام يا اسطى؟
– اكنين ونص
– اكنين بس
– ياعم الناس كالها دافعة الأجرة اكنين ونص..
لم تمر دقائق إلا وعلا صوت السائق والراكب وتداخلت العبارات. فرق الأجرة المتنازع عليه خمسون قرشا. نصف جنيه لم يعد يشترى اكثر من بعض أعواد الثقاب الرديئة، أو قطعة من لبان رخيص. نصف الجنيه صارت قيمته أقل من قيمة نصف القرش كما عرفناه من ثلاثة عقود.
افقت على صوت قطع النقد ترتطم بقاع علبة وضعها السائق بجانبه، قذفها محمود بحدة وهو يصيح:
– مش هي دي فلوسك؟ مش هي دي؟ خلاص يا عم خليها علي انا. على النعمة من نعمة ربي القرش اللي مش مرضي عنه بيروح ما بيقول راجعين. اسأل الأستاذ أدينا لسة “موقعين” حتة حشيش بخمسين جنيه. يا نهار ابيض يا جدعان، خمسين قرش هانعمل عليها حوارات!
اصابتني كلمة “موقعين” بقشعريرة.. هكذا اصبحت شريكا في الحيازة.
قطع محمود كلامه فجأة ونظر إلى ثم مد يده في العلبة. النص جنية بتاعك يا بيه.
شكرا يا محمود، ما انا قلتلك خالصين.
– يا بيه حقك يا بيه
– ياسيدي انا مسامح
ابتسم محمود ثم مد يده نحو علبة السجائر. طب مد إيدك وخد سيجارة معايا يا بيه. ما تكسفنيش.
نظرت نحوه، رأيت في عينيه رجاء من نوع ما، رغبة في أن نصبح أصدقاء ولو لبضع دقائق. مددت يدي واخذت السيجارة.
– أولع لك؟
اجبته: شكرا وامسكت لساني قبل أن أقول: أصلى ما بدخنش.. عدلتها وقلت: اصلي لسه شارب.. هاولعها بعدين.
وصلنا ميدان لبنان، غادرت الميكروباص ورفعت صوتي: ساموعليكو…
كان الكل قد غادر العربة. ابتسم محمود وقال مع السلامة يا بيه.. التفت فوجدته الموبايل قد استحال مصباحا ومحمود انهمك مرة أخرى في فحص فرش السيارة واسفل المقعد. لمحني وقال ضاحكا: نصيبك محفوظ يابيه والنعمة بس نلاقيها، ثم اختفي داخل الميكروباص باحثا عن قطعة الحشيش.
على مقربة منه وقفت عربة أخرى ارتكن عليها تباعها، بانت عليه علامات الإرهاق وفوق أذنه اندست سيجارة مجعدة. مددت له يدي بالسيجارة التي احملها: دي للودن التانية.
اتسعت ابتسامته وتناولها شاكرا: من يد ما نعدمها